الإذاعة الوطنية مدرستي الأولى وعالم صناعة الفيلم الوثائقي نابع من إيماني بأنه أقوى الأجناس الإعلامية
جريدة صوت الأحرار -

 يعتبر عبد القادر مام عبد القادر مام ابن منطقة عين خرمام بضواحي بوسعادة من الرعيل الأول الحائز على الباكالوريا من جيل الاستقلال عمل مقدما لنشرات أخبار الحادية عشرة ليلا بالتلفزيون الجزائري في العام 1989 إلى 1990، ثم رئيس تحرير نشرة الثامنة، ثم رئيس تحرير مركزي لكل النشرات حتى 1993 تاريخ مغادرة التلفزيون الجزائري نحو بريطانيا، له عشرة أفلام وثائقية بثت كلها على قناة الجزيرة الإخبارية والوثائقية والانجليزية.


بداية كيف يلخص عبد القادر مام مساره للقراء ؟

كانت البداية من مدينة بوسعادة، ثم لاحقا بمؤسسات المدينة ذاتها، تعلمت الحرف العربي مع أترابي الصغار في بدايات استقلال الجزائر، عندما كان أهلنا يتوقون إلى رؤية أبنائهم وهم يتحدثون اللغة العربية الفصحى بعد أنْ حُرموا منها هُم، أيام الاستعمار الذي كان يعمد على تجهيل الناس، في هذه الأجواء وبعد تأسيس المدرسة الابتدائية الوطنية لأول مرة عقب الاستقلال، كنا نحظى بمكانة لا مثيل لها في المجتمع بسبب أننا صرنا أول جيل من شباب الجزائر المستقلة يتحدث اللغة العربية ويتقنها ويقرأ بها الكتب والجرائد والمجلات باللغة العربية، أذكر أنني كنت اجلس وأصدقائي بين أهلنا وذوينا لنقرأ أمامهم فصولا من مقالات منشورة باللغة العربية من هنا وهناك، فقط لنشبع نهمهم وحبهم لسماع الحرف العربي الذي حرموا من معرفته أجيالا وأجيالا، عشنا أجواء الاستقلال في أعين أهالينا وذوينا بشكل لا نظير له، فكنا نعيش عبر أحاديثهم وفي لقاءاتهم أشكالا وألوانا من الفرح والسرور بالاستقلال والحرية لا وصف لها، فكل شيء كان له طعم غير معهود في طباع الأسرة الجزائرية التي تحررت من نير العبودية والقهر والاستبداد، فإذن أننا كنا جيل محظوظ بين أهاليه، وتربى في هذه الأجواء من الحب والألفة، بل بشكل من الدلال والافتخار بهذه الحظوة، ومما عزز هذه الصورة المتميزة التي حظينا بها كجيل شاءت الأقدار أن يكون "جيل الاستقلال"، هو تلك الشهادات التعليمية التي صرنا نحصل عليها تباعا، كحالتي مثلا عندما كنت أول شاب في القرية يحصل على شهادة البكالوريا ويتوجه مباشرة بعدها إلى الجامعة لنيل شهادة الليسانس في اللغة والآداب.

وكيف انطلقت أول مسارات المهنة، وما هي أول المحطات ؟

في الجامعة وفي السنة الثانية تقدمت إلى الإذاعة الوطنية في عام 1979 وطلبت أن أكون مذيعا، ومع بعض صعوبات الالتحاق في البداية إلا أنني تمكنت من الالتحاق بها، حيث ساعدني من تحقيق هذا الحلم الكبير الأستاذ المجاهد المرحوم عبد القادر نور الذي كان مديرا للقناة الأولى آنذاك، وهنا أقف لحظة هنا لا نحني اعترافا وامتنانا لهذا الرجل الفذ، ذو القلب الكبير الذي أهداني فرصة العمر، فعليه الرحمة والرضوان، الإذاعة الوطنية كانت مدرستي الأولى التي صقلت لساني وقومت لغتي، وفتحت عيوني على عالم الأثير الواسع، حيث صرت شخصا منتشيا بهذا المحيط الذي ابهرني إلى حد الثمالة. كنت كالطير الذي يزهو بنفسه وأنا اجلس أمام الميكروفون مع كبار المذيعين وأنا أقدم معهم وبينهم نشرات الأخبار بكثير من المتعة التي ما وراءها متعة، أذكر أنني كدت لم أوافق على استلام راتبي من الإذاعة، بسبب سعادتي الكبيرة وأنا أُمنح فيها هذه الفرصة الذهبية للعمل، وكدت أن أقول لهم أنه علي أنا الذي ادفع للإذاعة التي أعطتني حق التحدث عبر الميكروفون وحق هذا التميز وهذه الرفعة الكبيرة.

من الإذاعة إذن، كيف استمر المشوار ؟

بعد أداء الخدمة العسكرية كضابط احتياط بين عامي 1985 / 1986، التحقت مباشرة بالتلفزيون الوطني مقدما للأخبار ثم رئيسا مباشرا لنشرة أخبار الثامنة، وبعدها عينت رئيسا مركزيا للتحرير لكل النشرات، هذه أيضا كانت تجربة فريدة وثرية جدا، فبعد التجربة الإذاعية ومع الصوت فقط، فهذه تجربة أخرى مع الصوت والصورة، ومع جمهور واسع من المشاهدين، ومع جمهور أخر يقتفي كل صغيرة وكبيرة إلا واحصداها، لك أو عليك، ويترصد كل صغيرة وكبيرة. إذن عالم الصورة عالم مثير بكل المقاييس له ماله وعليه ما عليه، وخاصة أننا كنا القناة الوطنية الوحيدة، التي يشاهدها كل الجزائريين، فكل من موقعه ومن أي موقع كان، كان عينه علينا. لذلك لا أخفي أنني كنت في هذه المرحلة كمن كان يستقل مركبا تتقاذفه الأمواج من كل جانب، خاصة وأننا دخلنا مرحلة التعددية الحزبية في عام 1989 وكان علينا أن نتعامل مع الوضع التعددي السياسي الجديد بتبني خطاب إعلامي متعدد هو الأخر، غير الخطاب الأحادي الذي كرسه عهد حزب جبهة التحرير الوطني، الحزب الحاكم الوحيد والأوحد آنذاك، اجتهدنا ككوكبة من الصحافيين على اختلاف مشاربنا التعليمية ومستوياتنا أن نسجل حضورا إعلاميا جديدا عبر الشاشة يواكب مرحلة تأسيس الخطاب الإعلامي الجديد، مع اللغة التعددية التي فاجأت الكثير منا، فرغم افتقارنا للتجربة الإعلامية المتعددة ولأسلوب المفاهيم السياسية الجديدة، إلا أننا وللأمانة قد دشنا مرحلة العهد الذهبي للتلفزيون الجزائري من حيث المهنية والمصداقية والتنافس الشريف في تقديم مادة إعلامية عبر أنامل شباب، آمن بالاختلاف وبالتعدد في الرأي والرأي الأخر، وكنا بكل تواضع أول من أسس لهذه الرؤية الإعلامية الفريدة في محيطنا العربي.

للأسف الشديد، وبكل مرارة أننا وعندما دخلنا النفق المظلم أيام العشرية الدموية التي أعادتنا عقودا إلى الوراء، لم يعد بإمكاننا إعادة إنتاج تلك التجارب بسبب الانغماس في معالجة جراح الوطن، جيل كامل بكل تجاربه رحل عن التلفزيون، هناك من فضل الانكفاء عن الذات، وهناك من رحل إلى الخارج بحثا عن إعادة تحقيق الذات في تجارب إعلامية أخرى، وهذه الحالة الأخيرة انطبقت عني، وحيث قررت الرحيل عن التلفزيون ومن ثمة عن البلد بأكمله لممارسة مهنة أحببتها في جو أخر.

شهدت حياتك الإعلامية عدة تحولات مرة مقدم ومرة مذيع، ما الداعي إلى هذه التحولات؟

هي في الواقع أقدارٌ ساقتني إلى الإذاعة وإلى التلفزيون وإلى الصحافة المكتوبة، لم تكن هي خياراتي المطلقة، أحببت الإذاعة أولا وكانت حلمي الأزلي، ودخلت بابَها بدون عناء كبير، وقد احتضنتني بقوة وأعطتني الكثير والكثير، وكانت هي مدرستي الأولي التي تعلمت فيها أبجديات العمل الإذاعي بكل عوالمه الرحبة التي لا تعد ولا تحصى، وهي بالمختصر موطن عشقي، ومنبت ولعي، ومهبط هوايَا.

أما التلفزيون فقد شغفني حبه لاحقا، وبه وجدت نفسي كشخص أخر، صار ينظر إلى شكله وهندامه ولسانه أكثر من ذي قبل، فربما أن الشاشة علمتني كيف انظر إلى نفسي مع الناس التي تنظر نحوي، وبالتالي علمتني كيف أهذب الشوائب الزائدة لتكتمل صورتي التي أُحب أن اظهر بها للناس.

بالمناسبة انصح المتطلعين إلى عالم الشاشة بأن لا يكونوا رهينة لسحرها وبريقها، وأن لا يغتروا بفتنة ما يسمى زيفا "بريق الشهرة" فهو كلام غير صحيح ومثبط للعزائم، وهو وضع يجعل منها كيانا مشوها، وهذا كلام أصوغه من وحي الواقع عندما أرى بعضا ممن يظهرون على الشاشة وهم يمشون بشكل كاريكاتوري لأنهم اغتروا وبالتالي افتقدوا توازنهم ونسوا ذواتهم الحقيقة وركبهم نوع هزلي من الأنا.

بعد هذه المحطات لماذا استقر عبد القادر مام في صناعة الأفلام الوثائقية؟

ولوجي إلى عالم صناعة الفيلم الوثائقي ينبع من إيماني القوي بأن أقوى أجناس علوم الإعلام والاتصال هو الفيلم الوثائقي، لِما له من أهمية قصوى في الحفاظ على الذاكرة، وإبقائها حية في سجلات الشعوب والأمم، هذا الاهتمام تعاظم لدي عندما كنت مقيما في المملكة المتحدة، وعندما كنت ألاحظ كم يهتم البريطانيون بمتابعة الأفلام الوثائقية وكم تأخذ حيزا أكبر في مشاهداتهم اليومية، لأن ثقافة معرفة التاريخ وصراعات الحياة بكل أشكالها المختلفة وخاصة تلك التي تغوص في أعماق التاريخ من تراث إنساني ثري ومتنوع ومفيد من آداب وفنون وإبداعات وصيرورات إنسان متعددة هنا وهناك كالعادات والتقاليد، هي كلها التي تصنع المادة الأساسية للوثائقيات التي تصبح جذابة للإنسان ويصبح مولعا بها لأنها تمنحه اطلاعا واسعا وثقافة لا حصر لها، أعتقد أن أي مسار مهني لأي إعلامي يبقى في الذاكرة وتحفظه الأجيال المتعاقبة هو المسار الوثائقي الذي يأتي في المقام الأول.

ثم أن ما يشدني أيضا في صناعة الوثائقيات هو ذاك الولع بالعملية الإبداعية التي التي يقوم عليها الفيلم الوثائقي، فالفيلم هو حالة فنية أيضا، لأنه يخضع إلى حبكة سينمائية فنية مثلما تطبق في الفيلم الروائي، لأن الصنفين يشتركان ويتقاسمان الاسم المشترك وهو "الفيلم"، وبالتالي يتقاسمان كل المهارات التي تُحبك وتُنتج بها الأفلام، لذلك يصير الفرق بينهما فقط في كون أن الفيلم الروائي يسمى سينما الخيال، والفيلم الوثائقي يسمى سينما الواقع.

ما رأيك في إعلامي اليوم؟

أعتقد جازما أن الوضع الذي تتخبط فيه المهنة قد انعكس سلبا على أداء الرسالة الإعلامية بصفة عامة. لا أصدق ما أشاهده اليوم من ممارسة ضعيفة وهزيلة للمهنة لدى قطاع واسع من الشباب، بسبب الكثير من المثبطات التي صارت تفرض على جيل الصحافيين الجديد، ومنها عندما تكتشف أن الكثير يمتهن المهنة بدون مقابل. أرى مراسلين ومحررين، ومقدمين لا يتقاضون مقابلا، وإن تقاضوا شيئا فهم يتقاضونه بشكل مخزي ومهين. فكيف يتطور هذا الإعلامي في هذا الوسط البائس. ثم أنني ألاحظ بكل أسف تراجعا رهيبا للمهنة في ظل الوضع الذي لم يعد مساعدا بالمرة.

حسب عبد القادر مام ما هي الصفات التي يتوجب توفرها في خريج معهد  الاعلام لكي يكون صحفيا؟

لعل الكثير يشاطرني الرأي إذا ما طالبت المتخرج الجديد أن يكون ذا مستوى تعليمي جيد، وذي ثقافة واسعة في عديد المجالات، وعلى اطلاع سياسي لكل ما يحيط بشؤون بلاده فضلا على إلمام واسع بالعلاقات الدولية وخاصة الإقليمية الجيوسياسية، ومُواكِب لكل ما هو جديد، محليا ودوليا.

وأرى أنه من الضروري أن يتقن طالب الإعلام لغة أجنبية أو أكثر ليفتح مجالات أوسع رحابة في التواصل مع الأخر، لأن هذه المهنة تحتاج إلى سفر وتنقل من مكان إلى أخر وبالتالي عليه مخاطبة أناس ذوي ألسنة متعددة وثقافات متنوعة وخلفيات متفرقة، لكي يتمكن من الحصول على مادة إعلامية جيدة يقدمها في كتاباته لجمهوره على وسيلته الإعلامية التي ينتمي إليها لاحقا.

كما أنني اشدد على ضرورة التكوين المستمر والتدريب المتواصل لصقل المواهب الصحفية وتطوير المهارات في كل الجوانب الإبداعية سواء في الكتابة والتي تختلف من الصحيفة إلى الإذاعة إلى التلفزيون، أو في مجال التعامل مع الصورة والتقاطها بشكلها الصحيح أو كيفيات البحث عن المعلومة والتحري بشأنها واستخدامها بشكل احترافي صحيح، ولعلي لا أنسى أنني كنت دوما انصح بالاختصاص في دروب الإعلام الواسع والمتعدد، فالتخصص يمنحك قوة الغوص والتفرد في مجالك الذي لا يستطيع أن ينافسك فيه أحد، وتزداد من هنا أهميتك الإعلامية التي سوف يحسب لها ألف حساب، بالأخير أرى أن المواكبة لتاريخ كبار الإعلاميين في العالم العربي أو في العالم أجمع، سوف تعطي للطالب صورة مقرّبة عن عمق رجل الإعلام وقيمته الثقيلة في المجتمع المعاصر عندما نرى كيف أن صحفيا بمقدوره أن يهز كيانات ويسقطها بقوة إدارة المعلومة وتوظيفها توظيفا يصيب المقتل.



إقرأ المزيد