الحراكوفوبيا أو الخوف من الحراك.. واقع أم مجرد توقع؟
الشروق أون لاين -

الحراك الشعبي كغيره من الحركات الشعبية ليس بمنأى عن مكائد قادة ودعاة ورعاة الفساد الذين يحسبون كل صيحة عليهم وينظرون إلى الحراك على أنه الخصم الألد الذي يجب محاربته بكل وسيلة، فالتعامل المكيافيلي مع الحراك -في نظرهم- حينما يشكل تهديدا مباشرا أو غير مباشر لمصالحهم ضرورة لا محيص عنها ولكنهم لا يفضلون المواجهة العلنية خوفا من الانكشاف بل يلجأون إلى أساليب المواجهة الخفية بالاعتماد على المتزلفين والمتسلقين والذباب الالكتروني الذين يوكلون إليهم إنجاز المهمة نيابة عنهم وهي تفكيك الحراك من الداخل.

إن المتابعين لمسيرات الحراك الشعبي في الجزائر ليسوا على رأي واحد بشأنه، فهناك من يرى بأن هذا الحراك ليس إلا مظهرا من مظاهر التعبير الشعبي السلمي وبالتالي فإنه لا يشكل خطرا يذكر طالما استمر في نهجه السلمي، وهناك من يرى بأن الحراك قد يشكل مصدر خوف حقيقي لأنه لا يمكن العلم والجزم باستمرار سلميته إلى ما لا نهاية أمام تزايد حدة المطالب وأمام تزايد أعداد المنضمين إليه والذين قد يكون بينهم مندسون يدفعونه نحو التصعيد الذي يخرجه عن سلميته ولو بعد حين. فهل الحراكوفوبيا أو الخوف من الحراك واقع أم مجرد توقع؟، إن الحراكوفوبيا واقع لا يمكن نكرانه لأنه من غير الواقعي أن يترك حراك بهذا الزخم وشأنه من قبل المعادين له أو الخائفين أو المتخوفين من نجاحه لأن نجاح الحراك سيكون بداية لانكشاف حقيقتهم وكشف جرائمهم في حق شعبهم وأمتهم .إن حكاية الحراكوفوبيا كحكاية الإسلاموفوبيا، فقد اخترع خصوم الإسلام خصما افتراضيا سموه في البداية البعبع الأصولي ثم ألصقوا به في مرحلة لاحقة كل جرائم الإرهاب الدموي الذي يجتاح العالم فسموه الإرهاب الإسلامي، وقد كان هؤلاء يدركون بأن حكاية الإسلاموفوبيا حيلة ذكية سيكون لها تأثير سحري وأنها ستختصر المعركة مع الإسلام حينما يوفق من يتولون كبرها في شيطنة الإسلام حتى بين أتباعه ممن ينساقون وراء ما يروجه الإعلام الغربي. إن حكاية الحراكوفوبيا ليست بعيدة عن حكاية الإسلاموفوبيا، فخصوم الحراك لم يكتفوا بمعاداته بل اجتهدوا في جعل معاداة الحراك من بعض جموع الحراك غاية يعملون لها ويضحون من أجلها، إنهم يفعلون هذا بثقة عالية في استجابة هذه الجموع حينما تشعر أو تستشعر بأن بقاءها في الحراك ليس مأمون العواقب بالنظر إلى ما يتهدده من الخارج أو بالنظر إلى كونه هو نفسه مصدر التهديد فتنسحب ولا تكتفي بالانسحاب بل تتحول إلى أبواق لضرب الحراك ونشر ثقافة اليأس بين صفوفه.

إلى هذا الحد يمكننا الجزم بأن الحراكوفوبيا أو الخوف من الحراك واقع ليس له دافع، ولكن ما يهمنا أولا هو الحرص على تأمين البيت الحراكي ضد أي دعوة مشبوهة وضد أي ثورة مضادة يلبس أصحابها لبوس الديمقراطية والوطنية حتى إذا تمكنوا مالوا علينا وعلى الحراك ميلة واحدة. إن مما يجب أن يحرص عليه الحراكيون هو المحافظة على سلمية هذا الحراك فالسلمية سلاح فتاك من شأنه أن يفسد مخططات المتآمرين ويبطل عمل المفسدين الذين يتربصون بالحراك ويتصيدون الزلة الخفيفة والخطيئة البسيطة من أجل تشويه صورته السلمية الجميلة التي أبهرت العالم. وما يهمنا ثانيا هو أن تكون شعارات الحراك شعارات جامعة وهادفة فلا يترك المجال للعابثين والباحثين عن تصفية الحسابات لرفع شعارات تنشر الكراهية، فالحراك الشعبي هو هبة شعبية مباركة يحرسها الضمير الوطني والديني والأخلاقي، وهو وسيلة لإحداث التغيير وليس وسيلة للتعيير والتشهير ووسيلة لتعزيز العلاقات وليس وسيلة لتصفية الحسابات، هذا لا يعني غض الطرف عن الفساد والمفسدين بل التبين بعدم السماح بطغيان الشخصانية والروح الانتقامية وترك سلطة الحساب والعقاب للجهات القضائية المختصة، وما يهمنا ثالثا هو أن يقتنع الحراكيون بأن فكرة العصيان المدني تتنافى مع الطابع السلمي للحراك حتى وإن ادعى أصحابها بأنها طريقة ديمقراطية لافتكاك الحق عند تعنت السلطة. إن “العصيان المدني” حتى وإن أخذ طابع المقاطعة الذكية والجزئية –كما يزعم دعاة العصيان المدني – فإنه سيجر حتما إلى صدام اجتماعي بين مكونات المجتمع نحن في غنى عنه. يجب أن نستبدل فكرة العصيان المدني بفكرة التضامن الوطني الذي من شأنه تجديد الوعي السياسي والاجتماعي والاقتصادي وجعل التغيير يتم بطريقة سلسلة لأن غايتنا تحقيق الانتقال الديمقراطي السلس وليس الانتقال المفلس الذي يأتي على بنياننا الاجتماعي من القواعد.
إن الحراكوفوبيا واقع يجب أن يواجه بحملة توعية نوعية داخل الحراك الشعبي يقودها العقلاء والحكماء الذين لهم قبول في المجتمع الجزائري فلا يجب أن تكون مسيرات الجمعة فضاء للصدع بالشعارات والتقاط صور “السلفي” بل يجب أن تتحول إلى فضاءات للحوار الهادئ والفكر الراشد، فقد اكتسب “الرواقيون” شهرة كبيرة ولقيت أفكارهم انتشارا واسعا بين عشاق الحكمة واستطاعوا أن ينقلوا فلسفة الرواق إلى كل الآفاق.
لا خوف على الحراك الشعبي من دعاة الحراكوفوبيا فقد ولد هذا الحراك رشيدا من أول جمعة ولم يزده طول الأمد إلا تمسكا بالوحدة الوطنية، حراك ينفي خبثه ويحافظ على تماسكه وسلمية مسلكه وهو عصي على الاختراق. ولا خوف على الحراك الشعبي من دعاة الحراكوفوبيا لأنه الحراك الذي حول مقولة “الوقت جزء من الحل” إلى حقيقة على خلاف حراكات شعبية أخرى طال عليها الأمد فتبددت وتشتتت وانتهت.

لا خوف على الحراك الشعبي من دعاة الحراكوفوبيا لأنه ليس حراكا فئويا أو حزبيا بل حراكا شعبيا وهو يستمد إرادته من إرادة الشعب وإرادة الشعب من إرادة الله، وصدق الشاعر التونسي”أبو القاسم الشابي ” حين قال: إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر”. إن التاريخ يحدثنا بأن النصر في نهاية المطاف للشعوب في كفاحها من أجل كرامتها وعزتها وأن الشعوب تيار هادر يجرف في طريقه كل من يستهين بإرادة الشعوب ويقصم ظهره ويطويه غير مأسوف عليه.

لا خوف على الحراك الشعبي من دعاة الحراكوفوبيا مادام أن هذا الحراك وفي لجيشه المفدى، فليس من الحراك الشعبي من يفرق بين الشعب وبين الجيش أو من يسعى بالوشاية والنميمة بينهما من أعداء الداخل والخارج، وليس من الحراك الأفاكون الذين ديدنهم صناعة الإفك بمقابل ومن غير مقابل.

لا خوف على الحراك الشعبي من دعاة الحراكوفوبيا طالما اقتنع هذا الحراك بأن المجد لله ثم للوطن وطالما اقتنع بأنه لا عصمة لأحد ولا قدسية لجماعة وأن العصمة لله وحده، وطالما تحرر هذا الحراك من حمى الأسماء التي ترشح فلانا لإدارة الحكم وعلانا لإدارة الحكومة وليس في كنانته إلا أبجديات سياسية واقتصادية لا تسمن ولا تغني من جوع، وليس له من السمعة المعرفية إلا ما صنعها في الفضائيات التي تقدم من حقه التأخير وتؤخر من حقه التقديم.

The post الحراكوفوبيا أو الخوف من الحراك.. واقع أم مجرد توقع؟ appeared first on الشروق أونلاين.



إقرأ المزيد