المنعرج الخطير
الشروق أون لاين -

الإنتخابات الرئاسية هي الغاية الكبرى، التي يهدف إليها كل سياسي عاقل لا سيما في مثل هذه الظروف التي تمر بها الجزائر، بسبب شغور منصب رئيس الجمهورية، إلا الذين يخافون من “دكتاتورية الأغلبية”، من الذين ألفوا أن يكونوا أقلية ساحقة لأغلبية مسحوقة، على حد تعبير الأستاذ علي بن محمد.

والأهم من هذه الغاية أو على الأقل المساو لها، هي الضمانات التي تحقق نزاهة وشفافية هذه الانتخابات، التي لا نمل التأكيد على ضرورتها، ولم تَمَلْ السلطة الفعلية التأكيد على ضمانها…، ولكن هناك عقبة تعترض توجه الحراك الشعبي، وهو توجه مقطوع الصلة بحبل الثقة بينه وبين السلطة، وهذا يحتاج إلى عملية ترميم فعلية وجادة، لا يمكن أن تتحقق الانتخابات الناجحة بدونها…، وهناك عقبة ثانية وهي استثمار المضادين لمطلب الرئاسيات في عدم الثقة هذه التي بين الشعب والسلطة…، وهذا أيضا إن لم ينجح الشعب في التفريق بين موقفه من السلطة، وموقفه من هذه الطائفة التي ألقت به في المحرقة في بداية التسعينيات، لا يمكن لمسعى الرائاسيات أن ينجح، وإذا مرر المشروع بالقوة وبعدم توفير الشروط اللازمة، فإن مصير الرئاسيات سوف لن يكون –لا قدر الله- إلا كإخوانه من تجاربنا السابقة التي أفضت بنا إلى نتائج تقدس شخصا مقعدا.. وتنحني الرقاب إلى “كادر” كما انحنى مشركو مكة قديما  لهبل واللات والعزى.

إننا في منعرج خطير، على الطبقة السياسية أن تتحمل مسؤوليتها في الموضوع، وتتحمل المسؤولية التي لا تقف عند القبول والرفض فحسب، وإنما باتخاذ المواقف الموضوعية المناسبة، والاستعداد الجاد لانجاح المساعي بالتركيز على ممهداتها، والابتعاد عن مجرد الاصطفاف إلى هذه الجهة أو تلك؛ لأن مجرد القبول بإجراء الرئاسيات في هذه الأوضاع المهزوزة، من غير تدقيق النظر في هذا الموقف والاجراءات التي تضمن سلامته وصدقيته، قبول لفعل لم تتحقق شروط إنجاحه، وهذا غير مأمون العواقب؛ لأننا لا نريد لهذا الحراك أن يفشل، كما لا نريد للشعب أن ينكسر خاطره.

ورفض الانتخابات الرئاسية والتشكيك في ضرورة التعجيل بها، لكوها المنصب الأهم في البلاد، بل والمنصب الوحيد الذي يعاني من الشغور، يصب في خانة أعداء الشعب والديمقراطية، وهذا لا يخدم الحراك ولا يخدم الديمقراطية؛ بل ولا يبشر بالخير فيما تستقبل الجزائر في قادم الأيام.

سهل على الإنسان أن يتخذ هذا الموقف أو ذاك.. والأسهل منه أن يترك الأمور تسير وفق ما تقرره القوة والعناد.. والأسهل من ذينك الموقفين أن يتجاهل الناس الموضوع، بشعور أن الضبابية تفرض الانسحاب وعدم التسرع… ولكن ما يفرضه الواقع والموقف الأخلاقي الذي يحتم علينا استشراف الرؤية لجزائر المستقبل، وهي الجزائر التي يطمح إليها الشعب، وبتمناها في أحلامه وويقضته، هو التأسيس للموقف الراشد الذي يؤمن للبلاد مستقبلها.

لا شك أن الطرف الذي يؤكد على ضرورة الاسراع بالرئاسيات، يملك من شرعية المطلب ما لا يملكه الطرف المضاد؛ لأن المشكلة إلى حد الآن هي أن الجزائر بلا رئيس، والحسم في هذا الموضوع مهم جدا، لما يترتب عليه من إجراءات عملية، ومن جهة أخرى أن عدم الاسراع بانتخاب رئيس قد يفضي بنا إلى “بدعة التعيينات” التي رأينا مآسيها في تسعينيات القرن الماضي، حيث تم تعيين المجلس الأعلى للدولة، الذي عين هو بدوره مجلسا تشريعيا سماه المجلس الوطني الانتقالي، ثم تم حل المجالس البلدية، لتستبدل بمندوبيات كلها معينة، وهي 1541 بلدية، بمعنى انها كانت كلها مؤطرة من قبل الذين قاموا بالانقلاب بالتعيين ولا دخل للشعب في شيء منها.

فاليوم وإن كنا في مرحاة انتقالية ولكنها من غير تعيينات باستثناء رئاسة الدولة التي مدد لها بفتوى دستورية، تقول على رئيس الدولة ألا يسلم السلطة إلا لرئيس منتخب.

وفي المقابل أن الذين يرفضون الانتخابات الرئاسية، لا يرفضونها من حيث المبدأ، وإنما لكونها لا تخدمهم، وهو ما يستشف من خطاباتهم؛ لأنهم يرفضون “دكتاتورية الأغلبية” الشعبية، وبحكم نفوذهم القوي في الإدارة وغيرها من مؤسسات الدولة، يمكن أن يفعلوا أي شيء لإجهاض كل عملية لا تستجيب لهواهم بكل ما أوتو من قوة، وهناك فئة أخرى يحمل رأيها شيء من الموضوعية، وهي أن اجراء انتخابات بالدستور الحالي يعني الانتخاب على “بوتفليقة جديد”، ونفس هذه الفئة لا تثق في وعود السلطة؛ لأنها ألفت منها عدم الوفاء بالعهد…، وحبل الثقة المقطوع بين الشعب والسلطة، لعله أقوى خطاب سيغالب من أجل ألا تكون الانتخابات الرئاسية، وربما ستكون عملية التشكيك في نزاهة الانتخابات وصدقيتها، ما لم يمهد لها بإجراءات ميدانية تساعد على تحقيق المطلوب شعبيا، وإلا فإن المطالب الشعبية، هي التي ستطفو على السطح مجددا، فتقوي عدم الثقة في كل ما يأتي من السلطة مجددا.

إن البلاد في هذه المرحلة تمر بمخاض عسير ومنعرج خطير، قد يخفى على الذين اختاروا مغاراتهم ودخلوا فيها، على حساب المصلحة الوطنية العليا، وبديلا عن استشراف الاستقرار المنشود الدائم، سواء في ذلك الذين اعتمدوا على صحة ما يعتقدون، أو الذين جعلوا من الخوف على مستقبلهم كأقلية أيديولوجية غاية عليا، ولكنه لا يخفى على المتابع الذي يهدف إلى علاج المستقبل، الذي يدرك أن فشل الجزائر في تجاوز هذه المحنة، فشل للجميع، سلطة وشعبا وحراكا، ولا يمكن أن يستثنى هذا الطرف أو ذاك ما دامت الرقعة واحدة، الا من استثنته أنانيته من الذين لا تعنيهم مصالح الشعب.

على أن صحة ما يعتقد المرء، ليس دائما من الأمور  القابلة للتنفيذ. قد تكون الفكرة صحيحة ولكنها تفتقر إلى بعض الشروط غير المتوفرة، أو توجد موانع تحول دون تنفيذها، وكذلك الفئات المؤدلجة الخائفة من الأكثرية الشعبية، فإنها لا تخاف حقيقة يخاف منها، وإنما مشكلتها هي في استصحاب الخوف كمرض مزمن، تستدعي له في كل مرة ما يبرره، في أحداث أكتوبر 1988 استدعت الديمقراطية والسيادة الشعبية، ولما فاز الشعب في تجربتين انتخابيتين متتاليتين 1990 و1991، انقلبت عليها وحرشت آلة الديمقراطية والقمع معا. فباسم الديمقراطية دعا حزب الأفافاس إلى مظاهرة الديمقراطيين، وأنشئت بعد ذلك لجنة إنقاذ الجزائر، وبعدها حرشت ألة القمع… ووقع ما وقع بعد ذلك والحصيلة كانت 250 ألف قتيل كلهم من الجزائريين، لا لشيء إلا لأنهم أرادوا الحفاظ على الجزائر.. سواء باسم الدفاع عن صوت الشعب الذي صوت بحرية ولم يقبل رأيه، أو باسم الحفاظ على مؤسسات الدولة. واليوم تستدعي نفس الجهة التي أدخلت البلاد الدوامة جميع مبررات الخوف من الانقراض والتخويف من الوهم. خوفا من أن يستبد بها الشعب الذي تأكدت من أنه لا يعطيها صوته؛ لأنه لا يثق فيها وهي أيضا لا تثق في الشعب، ولا تريد أن تخطئ ثانية في الشعب كما أخطأ فيه أبنها البار في سنة 1991.

إن السلطة الفعلية والطبقة السياسية –من داخل السلطة وخارجها- مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى، بالوقوف صفا واحدا في تفهم الموضوع بكل جد وصدقية، تأمينا للحياة السياسية من الانزلاق -لا قدر الله-، فمن يطالب بالشفافية من حقه أن يُضْمن له ذلك، ومن طالب في حقه في الوجود مستقبلا، من حقه أن يرى الأمن من الخوف..، نزعا لفتيل الأزمة، ذلك أن الذي يخاف على البلاد يملك ما يخاف عليه، ويحرض على بقائه واستمراره، أما الذي لا يخاف إلا على نفسه ودشرته، فإنه لا يملك ما يخاف عليه أصلا، ولذلك لا يشعر بالخطر الذي يشعر به الوطني الأصيل. ذكر لي أحد المسؤولين –محسوب على التيار الوطني- كان في السلطة في بداية التسعينيات، وقد وقع في خلاف مع أحد خصومه –استئصالي مسؤول في السلطة-، حول ضرورة الحوار من عدمه، فكان صاحِبُنا مع الحوار، وخصمه ضد الحوار فقال له: “إذا نْتا عندك وين تروح.. انا ماعنديش هذي بلادي، اللي نخدم على بقائها”؛ لن خصمه كانت له جنسية أخرى.

The post المنعرج الخطير appeared first on الشروق أونلاين.



إقرأ المزيد