أعيادنا صورة لواقعنا
الشروق أون لاين -

 ليس من المبالغة القول إنه حيثما وليت وجهك في مجتمعنا الجزائري ومعه جل المجتمعات العربية والإسلامية رأيت مظاهر البداوة الاجتماعية التي تبهت الصورة الجميلة للشريعة الإسلامية،و تزداد مظاهر هذه البداوة الاجتماعية في الأعياد التي بدلا من أن تكون محطات لامتحان القيم والنظم تحولت بسبب سلوكاتنا السيئة إلى محطات للفوضى المركبة التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من ديكورنا اليومي والموسمي والسنوي.

 لقد شرع الإسلام الأعياد لإحياء الرابطة الإيمانية وتقوية الصلات الاجتماعية،و وضع المشرعون الاجتماعيون قواعد النظام الاجتماعي الذي لا تكتمل حقيقة الإسلام إلا به،و لكن واقعنا لا يوحي بشيء من ذلك بعد أن غرقنا في حمأة البداوة الاجتماعية التي طوقتنا وجعلت من أعيادنا صورة لواقعنا المتردي الذي لا نحسد عليه.

إن أكثر ما يميز الأمم ويعبر عن مدى ارتباطها بدينها وتراثها هي الأعياد،و لكل أمة طريقتها في التعبير عن هذه المعاني،فالبوذي يعبر عنها بمهرجان بوذا الذي يقام سنويا بمقاطعة خنان بالصين احتفالا بميلاد بوذا، مهرجان تتشكل فيه صورة بشرية جميلة ومتناغمة، والمسيحي يعبر عنها من خلال صورة الجموع المصطفة والمنضبطة في الكنائس وهي تردد الترانيم، واليهودي يعبر عنها بترانيم توراتية تؤدى في المعبد اليهودي الذي تتحد فيه النفوس والأنفاس،فلا ترى شاردا ولا ماردا ولا متمردا على نظم الجماعة.

ليس من التهويل القول إننا في الوطن العربي والإسلامي أو أكثرنا لسنا أهلا لما شرفنا الله به من أعياد لأننا أفسدنا هذه الأعياد بما ورثناه من عادات سيئة لا تزيدنا إلا بعدا عن حقيقة الشريعة الإسلامية، ومن هذه العادات السيئة جشع التجار ولهيب الأسعار،الذي يزداد في الأعياد وكأن العيد قد تحول إلى موعد للابتزاز يتربص فيه بارونات السوق بالمتسوق ليسلبوه آخر دينار ولا يتركوا له عقدا على نقد.

إن أعيادنا صورة لواقعنا،أعياد يكثر فيها الانتهازيون والمتربصون بالمواطن المغلوب والمسلوب والمصلوب الذي لا حول له ولا طول وكأن هؤلاء قد انسلخوا من كل قيمة إنسانية وإسلامية وكأن قلوبهم قدت من حديد فلا يحسون بمعاناة الناس أمام جاذبية الدنانير التي سلبتهم كل إحساس.

إن أعيادنا صورة لواقعنا، أعياد يكثر فيها المحتكرون وكأنهم لم يقرؤوا الوعيد النبوي لكل محتكر همه جمع الثروة بكل وسيلة مشروعة أو غير مشروعة،فقد جاء في الحديث النبوي:”لا يحتكر إلا خاطئ”، وجاء في الحديث المرفوع،عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم:” من احتكر طعاما أربعين ليلة، فقد برئ من الله تعالى وبرئ الله منه، وأيما أهل عرصة ظل فيهم امرؤ من المسلمين جائعا، فقد برئت منهم ذمة الله عز وجل”.

إذا كانت ذمة الله عز وجل بريئة ممن يحتكر طعاما أربعين ليلة، فما يمكننا أن نقول عن صنف من التجار يحتكرون الطعام سنة كاملة من أجل بيعها بأثمان باهظة في مواسم الذروة إن صح التعبير وفي مقدمتها المواسم والأعياد؟، وماذا يمكننا أن نقول عن صنف من التجار يشتري السلعة بفلس ثم يحتكرها ليبيعها بأضعاف ثمنها؟، وماذا يمكننا أن نقول عن صنف من التجار يرهقون جيوب المواطنين ولا يرجمون فيهم ضعفا ولا حاجة ثم تجدهم يهرعون إلى مزاحمة المصلين في الصفوف الأولى طمعا في زيادة الأجر؟، ألا إن زيادة الأجر قد ذهبت مع زيادة الوزر بسبب العنت الذي سببوه للمحتاجين الذين يتجولون في الأسواق طويلا ثم يخرجون منها لا يلوون على شيء.

إن أعيادنا صورة لواقعنا، واقع بعض المضحين الذين تراهم ينحرون أضاحيهم في الممرات والطرقات لا يبالون بما يحدثونه من فوضى عارمة مضرة بالصحة وبالبيئة، وواقع بعض المضحين الذين يظنون أنهم يتقربون إلى الله وهم يزدادون بعدا عنه بما يقومون به من تصرفات مشينة لا تمت إلى الخلق الإسلامي بصلة، فقد ترى أحدهم وهو يفتق “الدوارة” في الحارة فتندلق الأقتاب مسببة أذى كبيرا للمارة.

إن أعيادنا صورة لواقعنا،واقع بعض الباعة الفوضويين الموسميين الذين يجلبون أكواما من التبن فينثرونه على قارعة الطريق ثم ينفضون وقد امتلأت الطرقات بما يتناثر ويتطاير فيسبب هذا عبئا كبيرا لمهندسي النظافة الذين يقضون الأيام الطوال من أجل إزالة هذه الأكوام، هذا علاوة على ما تخلفه من آثار على البيئة.

إن أعيادنا صورة لواقعنا، واقع بعض المستخفين بأحكام الشريعة الإسلامية الذين يجدون في عيد الأضحى موعدا سنويا لتنظيم دورة بين الأحياء فيما يسمونه ظلما” مسابقة صراع الكباش” وهو في الحقيقة سلوك وفعل مخالف لأحكام الإسلام، فقد نهى الإسلام عن التحريش بين البهائم وعده فعلا محبطا للعمل مذهبا للأجر مورثا للوزر، فعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التحريش بين البهائم، والنهي كما يقول الأصوليون يفيد التحريم.

إن أعيادنا صورة لواقعنا،واقع بعض الصغار وحتى بعض الكبار وهم يجولون بالأضاحي في كل النواحي زاعمين أنها تعبير عن الاحتفاء بالأضحية في حين أنها مظهر من مظاهر الرياء وتعذيب البهيمة المنهي عنه شرعا، فبأي ذنب تخرج البهيمة من السقيفة فيمسك هذا بقرنها ويجرها هذا من ذيلها وينهال عليها آخر بهراوة إذا امتنعت عن السير ثم تعاد عند آخر النهار منهكة متعبة، أين هذا السلوك السيئ من قيم الإسلام وروح الشريعة وحقيقة الشعيرة؟.

إن أعيادنا صورة لواقعنا، واقع بعض المواطنين الذين يرمون جلود الأضاحي في القمامة غير مكترثين بما تسببه من روائح كريهة تؤذي السكان، فأين هؤلاء من إرشادات وتوجيهات المصالح المختصة؟ وأين هؤلاء من نشرات التوعية حول البيئة؟، وأين هؤلاء من توجيهات وتنبيهات الأئمة بخصوص الالتزام الديني والحس الحضاري؟.

إن أعيادنا صورة لواقعنا، واقع المحلات المغلقة التي تفسد على المواطن نشوة العيد وتجبره على قطع الأميال للظفر ببعض الحاجيات، أو تقحمه في صراع من أجل جلب ضروريات العيش التي قد تدخله الإنعاش؟.

إن أعيادنا صورة لواقعنا، واقع بعض الفضائيات والقنوات الإعلامية التي تركز على أنواع الأطباق وكأن العيد شرع لملء البطون وتلبية الأذواق، لا شك أن الإسلام لم يغفل هذا الجانب ولكنه أرشد المسلمين إلى الاهتمام بما هو أكبر وأعظم وهي مقاصد الطاعات والعبادات،و لذلك قال الله تعالى فيما يتعلق بالنسك: ” لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم”.

إن أعيادنا صورة لواقعنا المزري لولا أعمال البر التي تقوم بها ثلة من أهل الخير، الذين ضحوا بأوقات فراغهم ولمة العائلة من أجل إسعاد الآخرين، وخدمة الأمة، ولولا أيضا مظاهر التكافل الاجتماعي التي أدخلت الفرحة على قلوب الأرامل والأيتام والمرضى، هذه الأعمال تنسينا جزءا من واقعنا المر فأرجو أن تكون بداية لواقع أفضل ننشده لوطننا المفدى.

The post أعيادنا صورة لواقعنا appeared first on الشروق أونلاين.



إقرأ المزيد