الفراغ!
الشروق أون لاين -

مرّت ستة أشهر عن ميلاد الحَراك الشعبي، الذي اقتصر على حلقات متتابعة من المسيرات، حاول الشعب من خلالها أن يبصم على مطلبه الشرعي في التغيير الشامل وفي حياة أفضل. وبقدر ما هُدمت حصون ودكّت قلاع رجالات ظن كثيرون بأنها لا ترينا إلا ما ترى، حتى أن البعض سماهم بالأرباب، من أمثال الجنرالين توفيق وخالد نزار، بقدر ما عجزنا عن البناء ولو بوضع لبِنة واحدة. وحالة الركود في كل المجالات التي تعيشها البلاد حاليا تنذر بأيام فكرية واقتصادية عصيبة جدا، ستمر بها البلاد إن بقيت في هذا الفراغ الذي عجزنا فيه حتى عن إنجاز حوار بين الفرقاء.

أمام الجزائر الكثير من نماذج التغيير الناجحة، خاصة التي حدثت في أوروبا الشرقية، حيث تغيّر النظام بالكامل، وغادر رجالات الشيوعية والاشتراكية من دون فتن ولا إراقة دماء، وتمكنت بولونيا والمجر وروسيا مثلا من أن تبني نفسها بسرعة، بالرغم من أن وضعها الاقتصادي لم يكن جيدا، وشعبها كان صبورا ويكدّ ويجتهد.

مشكلة الجزائر الكبيرة، في مرحلة ما بعد الحَراك الشعبي، أو الجمهورية الجديدة أو عهدة الرئيس الشرعي القادم، هو تآكل احتياطي العملة الصعبة، مع انهيار أسعار النفط، وحرص بعض الجزائريين على أن تكون الفترة القادمة للحصول على الحقوق من دون أن يقدِّموا أي واجب أو يبذلوا أي جهد، وكلما طالت مرحلة الراحة أو الركود كلما تعقدت الانطلاقة وصعُبت العودة، لأن حلم العصابة التي حكمت البلاد هو أن لا يكون بعدهم سوى الطوفان، أو الأرض المحروقة، وأسوأ ما تتعرَّض له الشعوب في ثوراتها هو أن تبوء تضحياتُها بالفشل الذريع؛ إذ ستُفرش الطريق ثانية بالورود للذين عاثوا في البلاد فسادا، وإذا عادوا هذه المرة فلن يتخلوا عن الحكم وسيكون بطشُهم أكثر إيلاما.

لقد عاشت الجزائر في الأشهر الستة الماضية أحداثا مؤثرة، ارتبط بعضها بالخارج، ولكنها عجزت عن التعامل معها في وجود رئيس دولة مؤقت لا يقدر سوى على “لعبة” تعيين هذا في مكان ذاك أو تغيير هذه بتلك، وحكومة مؤقتة تنعم بتشريف الحقيبة وكأنها دائمة، وحتى في الحرائق التي أتت على آلاف الهكتارات في فاجعةٍ كبرى ضربت البلاد، لم نسمع تأبينية واحدة ولا نقول اقتراح مشاريع قوانين لتجريم مقترفي جرائم الحرق، أو نيَّة في القيام بعمليات تشجير كبيرة، كما فعلت إثيوبيا التي قرَّرت أن تحوِّل صحراءها القاحلة إلى أدغال من الغابات، وستنجح.

حجم مسيرات الجمعة الخامسة والعشرين قلّ بشكل كبير مقارنة بسابقاتها، والتفاؤل الذي كان يرسم البسمات في وجوه أهل الحَراك بدأ يمتزج بالخوف من المستقبل، حتى أن البعض صار مقتنعا بأن ما سقط من أفراد العصابة إلى حدّ الآن هو الأقنعة فقط، بينما بنيانها مازال مرصوصا يشدّ بعضُه بعضا، وهو ما يجعل أي تمديد في الحَراك وأي حلقات جديدة من الفراغ، هو تقوية للطرف الآخر.

وإذا صحّ ما تناقلته بعض الأطراف التي كشفت بأن الذين أحرقوا الغابات، هم حاليا بصدد اقتسام أراضيها، فمعنى ذلك أن العصابة الأكثر وحشية هي التي تتمتع الآن بالفراغ، وبانشغال العدالة مع اللصوص المعروفين.

The post الفراغ! appeared first on الشروق أونلاين.



إقرأ المزيد