الجزائريون.. هدموا الأصنام وبقيت الذهنيات التي صنعتها
الشروق أون لاين -

يشعر الجزائري بأن الحَراك أسقط النظام الفاسد الذي يبدو أنه يتهاوى بتكبيل رموزه وإيداعهم الحبس، لكن ماذا عن الذهنيات التي صنعت هذا النظام وكرست مبدأ القابلية للاستعمار والشعور بالدونية اتجاه فئة تحكمت في كل شيء وبنت للناس صنما وعقيدة؟

هي مرحلة الانتعاش وتحريك المياه الراكدة، وهي الفترة التي تكاد تكون الأكثر تميُّزا في تاريخ الجزائر، فذاك المواطن البسيط كان بالأمس بمثابة العنصر الخامل القابل لكل شيء، تحكمه عصابة مرّغت به الأرض وأنزلته إلى أدنى درجات الإنسانية فتولى أمره أناسٌ لم يخترهم ولم يوكلهم لتولي السلطة لكنهم استفردوا بالحكم وعاملوا الشعب على أساس أنه مستأجِر في هذا البلد وهم أصحاب الملك. ولذلك كان المواطن يلعب دور المتفرج فيرى القوانين تُسنّ وتُلغى حسب المقاس والضرورة التي تراها الطغمة الحاكمة، فعلى سبيل المثال فُتحت العهدات الرئاسية حتى يترشح الرئيس السابق من جديد والمواطن يتفرج، وأغلِقت شركاتٌ وطنية وبيعت للخواص بالدينار الرمزي والمواطن يتفرج، ونهبت الأراضي والعقارات والأملاك المنقولة وغير المنقولة، وسُخِّرت البنوك لخدمة فئة معينة دون غيرها، ففي الوقت الذي كان المواطن العادي يصعد وينزل ويتيه في أروقة الإدارة وينتظر لسنوات ويجمع كما هائلا من الأوراق والوثائق ويلتزم بكل الشروط بما فيها التعجيزية للظفر بقرض يصل الى 100 مليون سنتيم لشراء منزل أو سيارة أو مباشرة مشروع بسيط في إطار دعم تشغيل الشباب، كان هناك في المقابل من يتحصل علي قروض بالملايير وتُفتح له البنوك كما تُفتح الخدمة الذاتية في مطاعم الفنادق الفاخرة، فله أن يختار ما شاء من أملاك الشعب وكان له المال والأرض والزمان، فلا يسأله أحدٌ عن موعد إرجاع القرض في حين كانت هناك عجوز مسكينة واجهت العديد من المتاعب ووجدت نفسها أمام العدالة لأنها أخذت قرضا مصغرا بخمسة ملايين سنتيم لتفتح مشروع صناعة الكسكس في بيتها على الطريقة التقليدية. فكم هي كبيرة تلك الهوة والمسافة التي تفصل بين تلك العجوز والرجال الثلاثة الذين اقترضوا من البنك لوحدهم 31 ألف مليار سنتيم ولم يزعجهم أحد.

هذه الأمور قبلناها مثلما قبلنا الوزير الأول وهو يصف الشعب بـ”الكلب الذي إذا جوعته يتبعك”، هي العبارة التي لم يقلها أي دكتاتوري أو وزير في العالم في حق شعبه ولم يكن لأحد أن يفكر فيها أو يجرؤ على ترديدها في خلوته لأنها العبارة التي تشبه كلمة الكفر التي يخشى اللسان أن يطاوع صاحبها، لكن عندنا نطق بها حاكمٌ جائر صفق له الناس ووصفوه بالسياسي المحنك. هذا المسؤول غامر بدولةٍ وشعب حين أغلق المؤسسات وسرح العمال وطبع الأموال في خطوة تتناقض مع أبجديات النشاط الاقتصادي، فلم يعارضه أحدٌ وهلل له الجميع رغم أنه كان على ضلال. وهو الذي استكثر على المواطن تناول علبة الياوورت في تصريح أهان به شعبا كاملا وأنزله إلى الحضيض ثم قال بأنه فرحان. الفرجة حينها ظلت متواصلة مع مسؤول آخر حينما صرح بأن حزب جبهة التحرير جاء ليحكم 100 سنة في عرضٍ بهلواني كان يجوب به القاعات والناس يصفقون ويهللون.

هل كنا أغبياء عندما قالوا لنا إنهم يقومون بإصلاحات في العديد من القطاعات في مقدمتها قطاع الصحة المخصص للشعبي البسيط فقط بينما المسؤول له صحة أخرى وراء الحدود تسمى “لاسونتي” كما تُنطق بالفرنسية. وقد نطق حينها الوزير السابق عبد المالك بوضياف هو الآخر بكلمة الكفر حين صرح بأن “التجهيزات الموجودة في المستشفيات الجزائرية لا توجد في المستشفيات الأمريكية” قالها هكذا بكل صراحة ووقاحة ولم يقاطعه أحد، والكل يعلم الجحيم الذي يلاقيه المريض في المستشفيات الجزائرية التي تكاد تنفرد في العالم بتخصيص سرير واحد لأكثر من مريضة تضع مولودها فتتزاحم النسوة في غرفة ضيقة تحاصرهن الصراصير من كل زاوية وهي أكبر إهانة للإنسان ورغم ذلك قبلنا ورضينا.

تربويا، أرهقتنا بن غبريط بشطحاتها وخرجاتها العشوائية فساقت الأساتذة والتلاميذ إلى “الجيل الثاني للاصلاحات” دون فهم ولا تخطيط، فازداد التلميذ جهلا وتاه الأستاذ وهو يبحث عن منهج يتبعه فاختلطت الأجيال ولم يعد يُعرف لنا جيل أول ولا آخر، ولم تجد بن غبريط أمامها إلا التربية الإسلامية فداست عليها ومحت البسملة من الكتاب المدرسي، وحاربت اللغة العربية دون أن يعارضها أحد، ويا ليتها لما فعلت ذلك نهضت بقطاع التربية وأنشأت جيلا مبدعا يستحق التقدير لأنها في الحقيقة زادت في غباء التلميذ وأخلطت عليه الأمور فلم يعد يتقن اللغة العربية ولا الفرنسية ولا الانجليزية وأنشأت لنا جيلا بلا لغة ولا مفاهيم ولا مناهج.

تنمويا، أبرز مشروع عرفته الجزائر في السنوات الأخيرة هو الطريق السيار شرق غرب الذي قدرت تكلفته في البداية بـ9 ملايير دولار، لكن بقدرة قادر ارتفعت إلى 19 مليار دولار فتحول هذا الطريق إلى غول يلتهم الملايير بلا توقف ودون أن تنتهي به الأشغال مع عيوب ظهرت في أكثر من موقع أبرزها كانت في ولاية البويرة التي أعيدت بها الأشغال وفي قسنطينة مع فضيحة جبل الوحش إذ انهار النفق بعدما التقى الوحش بالغول وأصبح الطريق قصة غريبة بدأت ولم تُعرف لها نهاية.

ثقافيا، كانت الأموال تُصرف في أفلام لم تنتج وعايشنا سنوات اللهو والمجون مع عاصمتي الثقافة الإسلامية والعربية في تلمسان وقسنطينة فكثرت الحفلات والراقصات وتبديد الأموال في الخيم التي استهلكت الملايير دون أن يُعرف لها أثر على ترقية الفعل الثقافي.

كل هذه الجرائم والكوارث حدث في فترة الجاهلية ولم يكن المواطن سوى ذلك المتفرج الراضخ للأمر الواقع فتولدت عنده القابلية للاستعمار التي تحدث عناها مالك بن نبي ونمت عنده عقلية الدونية فكان يرى في من يحكمه ذاك المسؤول الواعي الذي يفهم أفضل منه وله الحق أن يقرر مكانه وعليه هو أن ينبطح ويمتثل لأوامره دون تردد ولا يجد في قلبه حرجا لما قرره الحاكم.

هذه العقلية غذتها المصلحة الخاصة التي رضعها المواطن فلم يعد يرى في هذا البلد إلا حاجته يريد أن يقضيها، وكل واحد له أنانيته التي يريد من خلالها أن يحقق تلك المصلحة ولا تهمه الكيفية ولا من قدم له الخدمة سواء كان صالحا أو فاسدا، فالذي يبحث عن السكن يريد أن يصل إلى مبتغاه بشتى الطرق وهو يُقبل كحالة اجتماعية فقيرة أن يدفع الرشوة ليتحصل على شقة ويعطي الرشوة ليستفيد من وثيقة هي في الأصل حقه الذي حُرم منه، وهو الأمر الذي زاد في تكريس المحسوبية التي تحولت إلى ذهنية وثقافة وسط الجزائريين، فمن منا لم يسمع بعبارة “هل لك شخص تعرفه في الإدارة الفلانية؟”، فأي فكرة أو مشروع غير قابل للتجسيد إلا بالمرور على عقلية المحسوبية التي ترسخت في كل الأذهان. وإذا كانت عندك “معريفة” بإمكانك أن تقضي حاجتك حتى وإن كانت غير منطقية أو مستحيلة، وعليك أن تتودَّد بمختلف الطرق للموظف في الإدارة ورئيس البلدية ومن معه والوالي ومن معه والوزير ومن معه ورئيس الحكومة ورئيس الجمهورية ومن معه، ومن كانوا مع الرئيس كرسوا فعلا مبدأ المحسوبية و”المعريفة” إلى أقصى الحدود وكثيرون هم الذي كانوا يفتخرون بعلاقتهم وقربهم من شقيق الرئيس السعيد بوتفليقة هرم المحسوبية في الجزائر ومفتاح المجد لدى الكثيرين وصاحب الأمر والنهي الذي لا يُرفض له قرار.

الكثيرُ من الذين يسبونه اليوم كانوا يترجُّونه بالأمس ويبحثون عن وِدِّه وعن عمل يقربهم إلى وِدِّه. وإذا كان الناس يخشون أحدا فأعلم أنه قريبُ من السعيد أو التوفيق وهو أمرٌ يمقته البعض لكنهم يتمنونه جميعا لأن العقلية الجامعة هي المصلحة الشخصية فوق كل مبدأ أو خُلُق. وهي العقلية التي دفعت بالبلد إلى الهاوية فضاعت فرصة بناء أكبر المنشآت وأكبر المشاريع ذات المصلحة العامة وتطوير أغنى بلد واستغلال أفضل ساحل وأثمن صحراء بأرضها وشمسها التي تكفي العالم بكامله.

والأهم من ذلك ضاعت فرصة بناء الإنسان في الجزائر، فأنشأنا فردا لا يفكر إلا في مصلحته الخاصة ولا يجسدها إلا بالمحسوبية والتودد للمسؤول ماديا ومعنويا فساهم هو أيضا في بناء الصنم وانتشار الفساد الذي لم يعد في المؤسسات فقط بل في الذهنيات.

ويتوهم من يعتقد أن الحَراك لبضعة أشهر سيصلح ما أفسده السابقون، فقد تكون بعض رموز النظام قد سقطت لكن الذهنيات لم تتغير وأزمة البلد هي أزمة أخلاق قبل كل شيء لأن العقليات البالية هي التي صنعت السعيد بوتفليقة والتوفيق ومن معهما وجعلت لهم عقيدة، ونحن الآن هدمنا بعض الأصنام لكن لازالت الذهنيات التي صنعتها. و يحب أن لا ننسى بأننا نحن من صنعنا الطغاة بالأمس وقد نصنعهم اليوم وغدا.

The post الجزائريون.. هدموا الأصنام وبقيت الذهنيات التي صنعتها appeared first on الشروق أونلاين.



إقرأ المزيد